أبو علي سينا
343
رسائل ( ط بيدار )
مزاج وكدر فقد صعد العالم الأعلى وسعد وعاد إلى ملكوته وقرب من بارئه وفاز بجوار رب العالمين وخالطته الأرواح الطيّبة من أشكاله وأشباهه ونجا من أضداده وأغياره * ومن هاهنا نعلم أن من فارقت نفسه بدنه وهي مشتاقة اليه مشفقة عليه خائفة من فراقه فهي في غاية الشقاء والألم من ذاتها وجوهرها سالكة إلي أبعد جهاتها من مستقرها طالبة قرارها والاستقرار به . وأما من يظن أن للموت ألما عظيما غير ألم الأمراض التي ربما تقدمته وأدّت إليه فقد ظن ظنا كاذبا لان الألم انما يكون بالادراك والادراك انما يكون للحى والحىّ هو القابل أثر النفس وأما الجسم الذي ليس فيه أثر النفس فإنه لا يألم ولا يحس فاذن الموت الذي هو مفارقة النفس للبدن لا ألم له لأن البدن انما كان يألم ويحس بالنفس وحصول أثرها فيه فإذا صار جسما لا أثر فيه للنفس فلا حس ولا ألم له فقد تبين ان الموت حال للبدن يكون بمفارقة النفس له فلا يكون محسوسا عنده ولا مؤلما فإنه انما كان يحس ويألم بها * وأما من يخاف الموت لأجل العقاب فليس يخاف الموت بل يخاف العقاب والعقاب انما يكون على شئ باق معه بعد الموت فهو لا محالة يعترف بذنوب وأفعال سيئة له يستحق عليها العقاب وهو مع ذلك معترف بحاكم عدل يعاقب على السيئات لا على الحسنات فهو اذن خائف من ذنوبه لا من الموت ومن خاف عقوبته على ذنب وجب عليه أن يحترز من ذلك الذنب ويجتنبه والافعال الردية التي تسمى ذنوبا انما تصدر عن هيئات ردية * والهيئات الردية التي في النفس هي الرذائل التي